المنجي بوسنينة
192
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
والماهية سيان في العالم الخارجي ، ويستطيع العقل أن يميّز أحدهما عن الآخر ، وبالتالي يستطيع أن يتوصّل إلى الماهية في العالم الخارجي . ويعتبر الوجود العام صفة مشتركة بين الموجودات ، ولكنه ليس موجودا في العالم الخارجي وإنما داخل الذهن فقط . ويؤكد السهروردي أن الوجود الحتمي يمثل حقيقة نظرية بارزة أمام الماهية في العالم الخارجي . وهذا الوجود العام موجود لدى كافة الموجودات ، ولكن لا يوجد أي شيء اسمه تمايز بين الوجود والماهية ، إلا أن الأبهري يعارض السهروردي في رأيه هذا ، ويتبنى رأي ابن سينا فيما يخص العلاقة بين الوجود والماهية مبينا أن الوجود صفة مشتركة بين الموجودات ، وأن وجود الموجودات هو أمر مضاف في ماهية هذه الموجودات . وبسبب ضرورات كينونة الوجود ليس للأخير أية علاقة بالماهية . ويوضح الأبهري بهذا الأسلوب تطابق فكره مع فكر فخر الدين الرازي فيما يخص « الوجود الحتمي » واختلافه مع ابن سينا واصفا رأيه بالضعف وعدم الكفاية [ المصدر السابق ، ص 248 - 250 ] . الوجود الحتمي الممكن : إن الوجود هو من المفاهيم الازدواجية التي توقّف عندها الأبهري كثيرا ، ويأتي « الوجود والإمكان » على رأس هذه المفاهيم . والوجوب يعني عدم حاجة الشيء بضرورات الكينونة إلى الأشياء الأخرى ويدعى « الاستغناء عن الغير » ، وبما أنه يحتمل معنى سلبيا فإنه يعد مفهوما منفيا [ المصدر نفسه ، ص 281 - 282 ] . أما الإمكان فيعني حاجة شيء ( وجوده وعدم وجوده ليس من تلقاء نفسه ) إلى شيء آخر في وجوده أو عدم وجوده ، وهو مفهوم اعتباري لا وجود له سواء في الذهن أو في العالم الخارجي ، فضلا عن كون ماهية الشيء الممكنة المساوية لوجود الشيء وعدم وجوده في وضع يجعلها ترجّح واحدا من الحالتين : الوجود وعدم الوجود ، وهي بذلك تصبح سببا في الحالتين [ المصدر السابق ، ص 283 - 286 ] . وحسب رأي الأبهري إن الإمكان غير المستغني عن الماهية الممكنة وهو ما يدعى « الإمكان اللازم للماهية » إذا كان يحمل سببا كافيا فإن الوجود يصبح دائما أما إذا كان غير كاف فحينذاك يجب أن يستند إلى وجود ممكن آخر . وهناك نوع ثان من الأشياء يتوفّر لديه إمكانان اثنان هما عبارة عن ماهية أو ما يتعلّق بماهية ذلك الشيء . والإمكان الآخر هو الاستعداد للتكوّن حالما تتوفر الشروط وتزول الموانع . وبما أن حدوث حدث من بعد يستوجب حدوث حدث آخر سابق له ، فإن هذه الحقيقة تؤدي إلى تسلسل في حدوث الأحداث ، والشيء الحادث من بعد دون أن تكون له علاقة بمفهوم الزمان ، والذي لا يمكن وضعه ضمن تسلسل حدثي ، ويستوجب وجود محل له وهذا الشيء يدعى « المادة » . وعلى هذا يصبح كل شيء حادث من بعد ممكن الحدوث من قبل ، أما حدوثه فيعتبر شيئا ثابتا ، وإلا فلا يكون هناك أي فرق بين الإمكان - الذي هو الميل نحو محل المادة وحدوثها - وبين نفي الإمكان . ولكن الأبهري عارض هذا الرأي مبينا أن الحدوث والإمكان مفهومان منفصلان [ المصدر السابق ، ص 287 - 289 ] . وكما ذكرنا سابقا